روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
73
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ المضطر مستغرق في بحار شوقه ، متحير في أودية النكرة ، دهش في ميادين المعرفة ، واله في سراب الحيرة ، يريد أن يفنى في الحق ، ويغلب عليه محبة الوصال ، وعشق الجمال ، والأنس بالجلال ، غائب عن الخليقة ، واله بكشف الحقيقة ، مجاب الدعوة بكشف الوصلة ، يريد عشقه بعد معرفة جماله وجلاله ، وعشقه بوصاله بنعت الافتقار إلى نوال دنوه ، يرى بحار مشاهدته ، وهو عطشان إلى قطرة منها ، ويقول بوصف الاضطرار : لأن كان يهدى برد أنيابها العلا * لأفقر منّي إنّني لفقير وهذا الفقير بكرمه لمخلص من نفسه وجود الحدثان وجميع الحجاب والفراق وآلام البعد ، ألا ترى كيف قال سبحانه : وَيَكْشِفُ السُّوءَ . قال سهل : المضطر هو المتبرئ من الحول والقوة والأسباب المذمومة . قال ابن عطاء : أحوال المضطر أن يكون كالغريق أو كالمتعطل في مفازة قد أشرف على الهلاك . قال عمرو المكي : أوجب اللّه على الداعين له بصفة خصوص الإجابة ، وهو المضطر . قال اللّه : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ . وقال الحسين : من شاهد اضطراره ؛ فليس بمضطر حتى يضطر في اضطراره عن مشاهدة اضطراره بمشاهدة من إليه اضطراره . وقال الأستاذ : فصل بين الإجابة ، وكشف السوء ؛ فالإجابة بالقبول والكشف بالطول ، الإجابة بالكلام ، والكشف بالإنعام ، ودعاء المضطر لا حجاب له ، ودعاء المظلوم لا رد له ، لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ، ومعنى قوله : وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ هذا وصف التمكين بعد التلوين ، والتجلي بعد الاستتار ، والحضور بعد الغيبة ، والغنى بعد الفقر ، والكشف بعد الحجاب ، والوصال بعد الفراق ، والوصلة بعد الحيرة ، يجعل العارفين ملوكا بعد كونهم مكدين على باب جلاله ، مفتقرين إلى وصاله بكشف جماله ، فإذا كانوا مستقرين على مساند الوصال في مجالس الجمال سكارى من شراب المؤانسة بين ياسمين القربة لا يذكرون أيام الفراق بعد الوصال كما قال القائل : كأنّ الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى * ولم يك صعلوكا إذا ما تموّلا قال الأستاذ : كما وعد للمضطر الإجابة ، وكشف السوء ، وعده أن يجعله من خلفاء الأرض إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [ الشرح : 6 ] .